السيد محمد باقر الصدر
502
أئمة أهل البيت ( ع ) ودورهم في تحصين الرسالة الإسلامية ( تراث الشهيد الصدر ج 20 )
لإبقاء هذه الهزيمة وإمرارها وتعميقها وتوسيعها . . يصبح العمل الشجاع تهوّراً ، يصبح التفكير في شؤون المسلمين استعجالًا ، يصبح الاهتمام بما يقع على الإسلام والمسلمين من مصائب وكوارث - يصبح كلّ هذا الاهتمامُ - نوعاً من الخفّة واللاتعقّل ، نوعاً من العجلة وقلّة الأناة ، نوعاً من التسرّع في العمل أو التفكير ، هذه الأخلاقيّة هي أخلاقيّة الهزيمة التي تصطنعها الامّة لكي تبرّر هذه الهزيمة . حينما تُهزم ، حينما تشعر بأنّها قد انتهت مقاومتها ، [ تنسج ] بالتدريج مفاهيم غير مفاهيمها الأولى ، وقيماً وأهدافاً ومُثُلًا غير القيم والمثل والأهداف التي كانت تتبنّاها في الأوّل ، لكي تبرّر - أخلاقيّاً ومنطقيّاً وفكريّاً - الموقف الذي تقفه . فالإمام الحسين ( عليه الصلاة والسلام ) في الواقع كان يريد أن يبدّل هذه الأخلاقيّة ، كان يريد أن يصنع أخلاقيّةً جديدةً لهذه الامّة تنسجم مع القدرة على التحرّك ، مع القدرة على الإرادة . حينما كان يقول : « لا أرى الحياة مع الظالمين إلّا برماً » « 1 » لم يكن هذا مجرّد شكوى ، وإنّما كان هذا عمليّة تغيير لأجل إيجاد - أو لأجل الإرجاع في الواقع ، لأجل إرجاع - هذه الأخلاقيّة الأخرى التي فقدها الأحنف بنقيس ، وفقدها كلُّ الناس الذين مشوا مع الأحنف بن قيس . هؤلاء الذين تبدّل عندهم مفهوم : « وليست الحياة مع الظالمين إلّا جحيماً وشقاءً » ، تبدّل هذا المفهوم إلى مفهوم لزوم الحفاظ على الحياة وعلى النَّفَس الذي يصعد وينزل ، مهما كان مضمون هذا النَّفَس ، ومهما كانت ملابسات هذا النَّفَس . كان لا بدّ من صنع هذه الأخلاقيّة الجديدة التي تهزُّ ضمير الامّة وتحرّكها
--> ( 1 ) تاريخ الأمم والملوك ( الطبري ) 404 : 5 ؛ تاريخ الإسلام 12 : 5 .